مقالات
طه حسين وقضية كتاب..في الشعر الجاهلي
من حق الأجيال الحالية أن تتعرف على فكر طه حسين العميق، ولا يتوقفون عند دراستهم للسيرة الذاتية السردية في كتاب "الأيام" في المراحل التعليمية أو لمشاهدة شخصيته وحياته المجسدة في مسلسل تليفزيوني فحسب، أو قراءة كلمات المبدع الشاعر سيد حجاب التي جسدت بحق رحلة المعاناة بكلمات معبرة خرجت من رحم الواقع الصعب الحزين الشاق.
"أيام ورا أيام ورا أيام/ لا الجرح يهدى ولا الرجا بينام/ ماشي في طريق الشوك ماشي ماشي/ لكن قلبي ما طرح ما يمشي بيبدر الأحلام/ العتمه سور والنور بيتوارى/ وش للفجارى في زمان النوح/ العتمه سور والنور بيتوارى/ وش للفجارى في زمان النوح/ ميتا تخطى السور يا نواره ويهل عطرك/ على الخلا ويفوح ويشدنا لجدام/ من عتمة الليل النهار راجع/ ومهما طال بيجي نهار/ مهما تكون في عتمه ومواجع/ العتمه سور يجي النهار تنهار وضهرنا يتجام/ أيام .. أيام ... أيام".
معاناة طه حسين:
هذه المعاناة التي نشأت وتشعبت مع نشأته وفي مراحل حياته المختلفة، كتفا بكتف، لحظة بلحظة؛ بداية من رحلة فقْد الأحباب داخل الأسرة، ورحلة الفقر، ورحلة فقْد البصر والعتمة التي حلت به، فتساوى عنده الليل والنهار، ومعاناته في مراحل تعليمه المختلفة؛ بداية من كتاب القرية حتى المرحلة الجامعية، ورحلة البعثة التعليمية إلى فرنسا، والتي كادت تبوء بالفشل، لولا قدر الله ثم مساندة أساتذته، ثم رحلته في نقل الثقافة التي تعلمها في الخارج إلى المراحل الجامعية، ثم أفكاره التي بدت صدامية، في كثير من الأحيان، ولسنا بصدد تقييم قامة كبيرة في مكانة طه حسين، عميد الأدب العربي، وإن اختلف حوله المختلفون، عن حب أو كره أو إنكار لأمور معينة أو اتباعا لأهواء شخصية، خاصة أن جميع أطراف الرحلة صاروا بين يدي الحق، في محكمة العدل الإلهية.
كتاب "في الشعر الجاهلي":
ولكننا سنقف عند رحلة معاناة خاصة ونادرة، وبها الكثير من العظات والعبر، والانتصارات والإخفاقات، ليس لشخص طه حسين فحسب، بل لكثير من الأطراف الذين خلد التاريخ ذكرهم، ألا وهي قضية كتاب: "في الشعر الجاهلي"، أو "في الأدب الجاهلي"، تأليف طه حسين؛ فكثير من الأجيال الجديدة ربما لم تقرأ عن هذه القضية أو تعرف ملابساتها، وكيف كادت أن تودي بصاحبها إلى التهلكة، وإلى قيام الدنيا عليه، وقلبها رأسًا على عقب، في مقالات في الصحافة وخطب على المنابر وحوارات مجتمعية، حتى وصل الأمر إلى نيابة مصر، وكان لها دور بطولي آخر، خلد اسم رئيس نيابة مصر في ذلك الوقت محمد نور، الذي حقق في قضية من أخطر القضايا، وتحمل مسؤولية تاريخية أدبية فكرية؛ خاصة أنها قضية رأي عام؛ فالكل ينتظر الفصل فيها، وحيثيات الفصل، ولأنه كان يقدر حجم ما ألقي على كاهله؛ فقد اهتم بنشر قراره في هذه القضية في كتاب على نفقته الخاصة؛ ليكون وثيقة ودرسًا للأجيال من بعده، على اختلاف أفكارها وثقافاتها وانتماءاتها.
بين القبول والرفض:
وفي الوقت ذاته، انقسمت الطبقات العليا، في رحى الصراع، إلى فئتين بارزتين هما: الفئة الأولى وهم الذين صنفوا الأمر على أنه قضية دينية بحتة، ولا يمكن السكوت عليها؛ خاصة أن الأزهر الشريف كان طرفًا أصيلا في طلب إجراء التحقيقات، وأنه تطرق إلى شق ديني يتعلق بالقرآن والقراءات والحديث، والفئة الثانية يرون أن الموضوع يتعلق بحرية الفكر والتعبير والبحث العلمي، وبين هؤلاء وهؤلاء تجرى تحقيقات، ويستدعى أطراف القضية، وعلى رأسهم طه حسين؛ حيث تعود أحداث القضية إلى 30 مايو 1926، عندما "تقدم الشيخ حسنين الطالب بالقسم العالي بالأزهر ببلاغ لسعادة النائب العمومي يتهم فيه الدكتور طه حسين "الأستاذ بالجامعة المصرية" بأنه ألف كتابًا أسماه "في الشعر الجاهلي"، ونشره على الجمهور، وفي هذا الكتاب طعن صريح في القرآن؛ حيث نسب الخرافة والكذب لهذا الكتاب السماوي الكريم...إلخ".
وإذا ما تأملنا الأمر سنجد عددا من الأطراف، في هذا الموضوع، وكل واحد منهم له قدر ومكانة وداعمون؛ أولا: جبهة الأزهر الشريف التي ينتمي إليها مقدم البلاغ الشيخ حسنين، ومن يذهب مذهبه، وثانيا: طه حسين، الأستاذ بالجامعة المصرية، وثالثا: طرف قانوني محايد، وهو رئيس نيابة مصر محمد نور.
أسئلة متوقعة ومشاعر متناقضة:
ولنتخيل بداية ما يمكن أن يدور في هذه التحقيقات، وفي الحقيقة أسئلة كثيرة تدور في ذهني، وأود أن يشاركني القارئ الحصيف المحايد مثلي، كل عناصر الأمر، دون أن يكون لديه رأي سابق أو دون انحيازه إلى ما سمع، ومنح نفسه فرصة لمعرفة ما حدث بالفعل: فما حقيقة البلاغ المقدم ضد طه حسين؟ وما عناصر الاتهام ودلائلها؟ وهل انبرى الشيخ حسنين بنفسه لتقديم البلاغ أم إن هناك جبهة كبيرة دفعته لتقديم البلاغ وساندته وتصدر هو المشهد؟ وما الهدف الحقيقي من تقديم البلاغ: هل نصرة الدين أم محاسبة طه حسين على أفكاره في كتاب "في الشعر الجاهلي" أم القضاء عليه أم رده إلى الصواب الذي حاد عنه أم التشهير به وبأفكار كل من يتعلم في الخارج أم إثبات أن التعليم الصحيح لا يكون إلا في الأزهر الشريف وحده وما عداه فلا فائدة تنتظر من ورائه أو معرفته؟...إلخ
وإذا ما ذهبنا إلى الأستاذ الجامعي طه حسين؛ فكيف تلقى خبر تحويل تأليف كتابه "في الشعر الجاهلي" إلى نيابة مصر؟ وهل كان على علم ودراية أو قدر من التوقع والاحتمالية بأن ما جاء في ثنايا كتابه سيعرضه للمساءلة؟ وهل ما ذكره كان بمنزلة بحث علمي فقط؟ وهل تطرق فعلا لأمور تتعلق بالقرآن الكريم والقراءات والشأن الديني؟ وكيف وافق طه حسين بين تعليمه الأزهري وبين المناهج الغربية التي درسها في الخارج؟ وما الردود التي ذكرها طه حسين على أسئلة النيابة؟
وبين البلاغ المقدم والاتهامات الموجهة لطه حسين، وبين طه حسين نفسه مؤلف كتاب "في الشعر الجاهلي" تجري النيابة تحقيقات للوقوف على حقيقة البلاغ، وفحص ما جاء فيه، وإصدار حكمها في الأمر.(وللموضوع بقية)