المِلاحَةُ فى بُحُورِ مُضطَرِبَة هذا المُعَلّم الحَضَارِى .. ( 7 ) مَشهَدُ :

جريدة البوابة المصرية
جريدة البوابة المصرية
ننشر انجازات وزارة التنمية المحلية في اسبو ع العيد وزيرا الزراعة والبيئة والمدير الإقليمي للفاو يتفقدون المتحف الزراعي بالدقي وزير الري: الميكانيكا والكهرباء تتابع تشغيل وصيانة محطات الري تعرف من عارف علي اسعار الأسماك اليوم الجمعة 4ابريل 2025 تعرف من عارف علي اسعار الفاكهة اليوم الجمعة 4ابريل 2025 تعرف من عارف علي اسعار الخضار اليوم الجمعة 4ابريل 2025 تعرف من عارف علي اسعار الحديد اليوم الجمعة 4ابريل 2025 تعرف من عارف علي مواعيد مبارايات اليوم الجمعة 4 ابريل 2025 تعرف من عارف علي اسعار الذهب اليوم الجمعة 4 ابريل 2025 تعرف من عارف علي اسعار صرف العملات الأجنبية اليوم الجمعة 4ابريل 2025 انطلاق مهرجان الفضاءات المسرحية المتعددة الأحد القادم من مسرح سيد درويش مسارح الدولة ترفع شعار كامل العدد.. في عروض العيد

مقالات

المِلاحَةُ فى بُحُورِ مُضطَرِبَة هذا المُعَلّم الحَضَارِى .. ( 7 ) مَشهَدُ :

د محسن عبد الخالق
د محسن عبد الخالق
كنت أحب فى أساتذتى المُعَلّم واسع المعرفة والثقافة ، ولم أعرف فى هذه المرحلة غير إثنين أو ثلاثة من نوع هؤلاء الأساتذة تقريبًا كان الأستاذ " إسماعيل الحداد " أولهم . كان أول دَرس تلقيناه عليه أن العِلاقة بين المَدرَسة والتلميذ ليست علاقة شَجَرة بِجِذرهَا فحسب ، وإنما علاقة جَنِين بِرَحِم أمه ، وأن حياة الشَّجرَة فى جِذرهَا المَدفُون فى باطن الأرض لا تراه العيُون ، فى حين أن الفرُوع والأوراق مُجَرَّد ظواهِر مُؤَقَّتَة عُمرها ساعات أو بالكثير أيام ، إذًا العَودَة دائمًا إلى الجُذور لم يكن منها بُدّ ولا مَفَرّ ، ذلك إذا كنا نريد أن نتتلمذ على التاريخ ، ونتعلم أبجدية المستقبل .
هذا هو " المُعَلّمُ "الذى تَكَرَّمَت المَقَادير وكنت احد تلاميذه بالصف الثالث الإبتدائى ، وكان الرَّجُل خبيرًا عارفًا كيف يقف على شاطىء اللغة يُرهِف السَّمع لقواقعه ويخرج من أصدَافِه الدُّرر ، وكان يعرف كيف يفرِد قلاعه ويرمى شباكه ، وكان صيَّاد للآلىء .

كنت أرى فيه مثالًا يُحتَذى لحداثة الإلقاء ، فقد كان يحرص على الكلام باللغة الفصحى مع قَلقَلَة " القاف " وتعطيش " الجيم " كأنه مُكَلَّفُ بألا يُغمِض له جِفنُ وأن يظل ساهرًا على صِحَّة اللغة . كنا عِيدان رَطِبَة وكانت رسالة هذا المُعَلّم الحَضَارى حِماية هذه العِيدان الخضرَاء الرَّطبة من الخطر حين كنا عَجِينَة فى يَدِ الغَيب .

ولا أنسى أبَدًا ما كان عليه من هَيبة ووقار وهو يشرح لنا داخل قاعة الدَّرس ، وكيف كنَّا نَصغى اليه فيما يشبه التديُّن ، وكيف كان يَرعَى ويَعطف فيمشى مُتَّئِدًا فى غير كبرياء وقد شَبَكَ يَدَيه وراء ظهرِه فَنَهُمُّ بالوقوف لكنه يشير إلينا فى تواضع أن نبقى كُلُنَا على مقَاعِدِنَا ، ويأخُذُ فى توجِيه الأسئِلة فَأَرفَع إصبَعِى ولمَّا يشير إلىَّ أبدَأ فى الكلام كعادتى فى صَوتِ مُنخَفِضِ فَيَقتَرِب مِنّى ويَمِيل علىَّ فى رِقَّة ويَطلُب مِنّى أن أرفَعَ صَوتِى قَليلًا ويَربِتُ على كَتِفِى مُشَجّعًا وهو يضحَك ضِحكَة خَافِتَة ، كنا نتعلّم عليه كيف نُغَرّد داخِل قَاعة الدَّرس وخَارجها أيضًا ، وكان هو كالفضاء يحتضِن الطيور ، كان هذا " المُعلّم العَظيم " يبدو كما لو كان داخل حديقة ينتظر وَردَة لإكتشاف عِطرها ، وأما خَارج قَاعَة الدَّرس فهو إنسان مُقَدَّس لا يَجرُؤ أحد على الإقتراب منه .

وأتذكر لحظات أن كنت أحاول التعرّف على قراءة حروف الأبجدية المفككة ، وكثير ما كنت أتعثر فى قراءة بعضها ، وكان تشجيعه يجعلنى لا أفقد روح المحاولة ، وكلما نجحت فى نطق حرف من حروفها نُطقًا صحيحًا ، ألمح الفرحة تلمع فى عينيه ، وكنت أشعر بِزَهو وإحساس مُبكر بروح الإنتصار .

أذكر أن كان علىَّ أن أقرأ سورة " القارعة " وحين أخطأت فى تشكيل آية فَعَلى ذاكرتى أن تستعيد السُّورَة بعد أربعة أو خمسة تلاوات أو حتى يَجفّ حَلقى وأكاد أسقط إعياءًا إلا أن تُدركنى رحمة ربّى ..
أذكُر أنى تحدّثت أثناء الشَّرح إلى زَميلى المهندس العبقرى " على عبد الباقى سعد الدين الشريف " – رحمه الله - الذى كان يجلس بجوارى على نفس المِقعد بصوتِ ضَاق له الأستاذ " إسماعيل الحداد " فإذا هو يُخرِجنِى لأقف ووجهِى إلى الحَائط بين خريطتى آسيا وإفريقيا نوعًا من الرًّقِى فى العِقاب والإحساس بالذَّنب ، ولم أك أعرف أن لحظة هذا العقاب كانت بداية غرامى بقراءة الخرائط والوقوع فى هواها ، لم تكن لحظة عقاب عَبَرت ، وإنما كانت لحظة تيقَّظ فيها الوعى بأنه إذا كان التاريخ ظل الإنسان على الأرض ، فإن الجغرافيا هى ظل الأرض على الزمان ..
أذكر أنه فى حصَّة " الدين " كان يُلَقّن عن طريق الأسئلة والأجوبة ، يسأل الفصل سُؤَلاً من الإنجيل :
ماذا فعل سيدنا زكريا وزوجته اليصَابات ليرزقهما الرَّب بطفل فى شيخوختهما ؟
وكانت الإجابة التى يردّدها تلاميذ الفصل كله :
" كانا يُصَلّيانِ " !


Italian Trulli