مقالات
”أحد فلاسفة الجمال ”..صديقى الفنان الكبير حسين بيكار
اليوم عاودنى الحنين لقراءة بعض لوحات واحد من أكبر دعاة الحب وأنبياء الجمال الذى لا ينقل الأشياء وإنما يبتكرها ثانية ، ولا ينسخ الوجه وإنما يرسم صفاته على نحو من العذوبة والرقة لا يمكن تكراره ، فالأشياء عنده تأتلف بإختلافها نفسه وتختلف بإئتلافها نفسه ، وكذلك المعنى سائل مُتحرك يتغير بإستمرار بحيث يمكنك أن تلمح فى بعض لوحاته نوع خَفىّ من الصلاة إلى المجهول ، وللمنتهى أشكال لا تنتهى .
يعتمد صديقى الفنان التشكيلى الكبير " حسين بيكار "على إيقاع اللمسة ونبض اللون فى تحقيق التناغم الموسيقى ، ومن بين لوحات فيه الريح تكشط الحجر ، ولوحات الحجر فيها يخاف ، ولوحات فيها الغياب هو ذروة الحضور ، ولوحات فى مائها عطش ، ولوحات الظلام فيها هو النور ، عَبَرَت فى خواطرى " لوحة " مازلت أحتفظ بشذاها لونها المميز والإحساس الذى كان يسكن فى أركانها البعيدة ظلالاً وبريقًا ، توقفت أمامها لبعض الوقت متأملاً ودارسًا ألوانها التى تكاد تذوب من الرقة والجلال فى آن معًا ، كانت فيها سيكلوجية الخطوط تُومِىء وتشير إلى تغيير لَمَحْت ومضاته مع لمسات الفرشاة حتى رَاوَدنى إحساس بأن " مصر أمامى " تحاول أن تستجمع قواها لتصعد فوق خط الأفق المرئىّ وبعده أيضًا لتسير بمحاذاة السحاب تاركة وراءها سنوات من السَّوَاد والعَدم أعتبرها ليل داخل الليل وزَمَنًا خارج الزمان .
كنت دائم الزيارة لصديقى الفنان التشكيلى الكبير " حسين بيكار " فى بيته 19 شارع حسن عاصم – الزمالك الذى حَوَّله إلى مُتحف من متاحف الفنون الرفيعة ، كان أول ما يستقبلك فى مدخل البيت آلة البُزُق مُعَلّقة على الحائط تلك الآلة الموسيقية التى وقع " بيكار " فى هواها وكان عَازِفًا مُتَفَرّدًا على وترياتها ، وإستطاع أن يحوّل موسيقاها ألوانًا سائلة على الجدران البيضاء لا تُخْطِئها الحواس ، والبُزُق هي آلة موسيقية وترية تشبه العود ذات عنق طويل وجسم أصغر من العود وتتألف من وترين مزدوجين" صول ودو " وتعتبر إحدى علامات الهوية العربية ، وبمكنك أن تجدها مرسومة في اللوحات الفنية القديمة ومذكورة في الوثائق والكتب التاريخية .
أذكر حين تعرَّضت لحادث سيارة أليم ألزمنى فراش المرض شهورًا عددًا أن جاءنى زائرًا مأخوذًا بدهشة المفاجأة حَاملاً بين يديه باقة من الزهور رقيقة مثله ومعه كتابه الأخير " لكل فنان قصَّة " الذى صدر أخيرًا عن دار نشر " كتابى " وقد حرصت أن أحتفظ " بزهرة واحدة " من بين زهرات هذه الباقة الأخَّذة من الزهور فى أوراقى إعترافًا وحُبًا . أوراق الورد يمكن أن " تَجِف " لكن عطرها – أبدًا – لا " يَكِف " ، وفى حدائق المحبَّة يمكنك أن تجد " وردة واحدة " قادرة بِمُفردها أن تعطر لك " الوجود " .
فى كتابه " لكل فنان قصة " يُحَدثنا الفنان التشكيلى الكبير " حسين بيكار " عن خمسين عبقرية من أعظم ما أنتج الفكر البشرى ، وجاء على صفحته الأولى هذا الإهداء الذى يتجاوز قدرى ، كان الفنان الكبير قد صَاغه بمداد من الحَنان ومَزَج فيه بين حروف من فن الأرابيسك وأخرى من فن الزجاج المعشَّق ، فى واحدة من اللقطات النادرة للمشاعر الدافئة التى سأظل أحتفظ بها فى أكفَأ خزائن المحبَّة ، يقول الأستاذ الأب :
" إلى أروع صورة من صور الوفاء والرقة . إلى ولدى الحبيب الأديب الفنان محسن عبد الخالق ، مع وافر الإعجاب والحب . حسين ببكار ، 1 / 12 / 1986 .
إذا أردت أن تلقاه فإن بيته هو " البورتريه " وهو وموطنه الأصلى ، وهو دائما مقيم فى لوحاته واللوحة عنده " لحظة إنبهار " وفكرة تُحَركها ألوان وظلال .
يمر بخاطرى الآن لقاء معه كان فى بيته حول آخر المعارض التى قمت بزيارتها ، قلت :
أستاذ حسين ، أنا دائم الزيارة لمعرض مثال مصر الخالد " محمود مختار " ثم حَدَّثته عن تمثال " رياح الخماسين " لمختار الذى كلما رأيته وقفت أمامه وقفة المُتَجَمّد أتأمل " حجر يَتَنَهَّد وأزميل يَقْرض الشِعر " ، وكيف تحولت كُتلة صماء من الحجر منقوشة بلا كتابة إلى قطعة موسيقى مُتَجَمّدة ، ثم أضفت كان الحجر ينطق بفم الهواء ، حقًا إن مصر هى كاتبة النص الحضارى والإنسانى على تعاقب الأجيال مع إختلاف العصور ، فيها قراءة " الحجر " أكثر مُتعة من قراءة الكُتب " عليك فقط أن تُعير أذنيك قليلاً لفصاحة الحجر ! . بعدها رأيت ظل إبتسامة كسيفة عبرت على شفتيه وقال : أعرف .
لَدَيَّ مقياس أثق فى حسابه هو : " الفن " .. الفن يسبق الصحوة دائما ويبشِّر بالقوة عادة .. كذلك ظنى .
الفن هو الأب الحقيقى للثقافة فى كافة مجالاتها ، ثم أن الفنون التشكيلية هى الحلقة الرئيسه فى قصة الصعود المدهش على سلم المجد…